صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

مقدمة 44

الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )

قواعد قام عليها أساس فلسفته . وهذه الأصول هي عبارة عن : أصالة الوجود مع المحافظة على وحدة الحقيقة ، لذا فإن مراتب وجود الإنسان ليست متباينة مع الوجود في عالم المادة والوجود في عالم المثال والبرزخ والوجود في عالم العقول والمثل النورية ، فالوجود في البدن المثالي هو عينه الوجود في البدن المادي ( بحسب الشكل والمقدار والآثار المترتبة على هذا الوجود ) بنحو أن الشخص الذي يرى إنسانا في الدنيا ويراه في الآخرة سيقول في نفسه هذا هو نفس الإنسان الذي رأيته في الدنيا ، لكنه فاقد للمرتبة والخاصية اللازمة للمادة وهو معنى الفناء والدثور ، وهذا هو الفرق بين الدنيا والآخرة . إذا وجدت المادة بعينها في الآخرة ، ستكون الآخرة دار فناء وليست دار بقاء ، إن حقيقة كل موجود بالصورة وليست بالمادة ، فالمادة أمر مبهم غير متحصل وغير موجود إلّا بالتبعية للصورة ، إن التركيب بين المادة والصورة يشكل اتحادا ، وليس للمادة تداخل في حقيقة الإنسان . ولأن الاشتداد يقع في حقيقة واحدة عريضة ( مثل الإنسان ) فإن الإنسان الموجود في الآخرة هو آثار الإنسان الدنيوي مع حفظ هوية المبدأ ، دون زيادة أو نقصان . ويترتب كامل أفاعيل الإنسان على الوجود البرزخي . وفي أمر المعاد سلك حكماء المشائية وحكماء الإشراق وعلماء الكلام بل جمهور من علماء الظاهر طريق الإفراط والتفريط « 1 » . إن التعدد والتكثر الفردي في الأفراد المادية للإنسان هو من الناحية المادية ، ولكن لا لزوم لأن يكون التكثر الفردي للإنسان البرزخي إن في قوس الارتقاء أو في قوس النزول هو من ناحية المادة ، كما أن التكثر من ناحية الفاعل وارد ومتحقق . وأفضل دليل على وجوده تكثرات تبرز بحسب صور مختلفة في القوة التخيلية للإنسان ، وهناك براهين متعددة على تجرد الخيال « 2 » .

--> ( 1 ) الحمد للّه الذي هدانا لهذا وجعلنا أمة وسطا . وليس الأمر في المعاد كما زعمه جمهور المليين . ( 2 ) إن الآيات والأخبار الواردة في حشر الأجساد والأبدان في الآخرة متشابهة . والمسلّم به أن الأبدان الأخروية هي مثل عالم الآخرة غير قابلة للفناء والزوال ، وأن الدار الآخرة حسب القواعد العقلية والنقلية ليست دار إعداد واستعداد واستكمال « الدنيا مزرعة الآخرة » ، والإنسان يشاهد في الآخرة نتائج أعماله الدنيوية ، وهذا دليل واضح على أن الإنسان يتخلص في مسيرة انتقاله إلى الآخرة من المادة الجسمانية ( وليس أصل الجسم ومقداره ) ، وهناك يخلق اللّه تبارك وتعالى بقدرته الباهرة نفس الأبدان الدنيوية « بل قادرين أن نسوي بنانه ، يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم » .